محمد جمال الدين القاسمي
209
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
بأني قد لقيت الغول تهوى * بسهب كالصحيفة صحصحان فأضربها بلا دهش فخرّت * صريعا لليدين وللجران وأمثاله كثيرة . انتهى . قال الخفاجيّ : اقتصر العلامة هنا على حكاية حال أسلافهم ، لقرينة ضمائر الغيبة ، وترك تلك الآية - يعني آية البقرة - على الاحتمالين لقرينة ضمائر المخاطبين . ليكون توبيخا وتعبيرا للحاضرين بفعل آبائهم . ولذا عقبت هذه الآية بقصة عيسى عليه السلام . فتأمل . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 71 ] وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ( 71 ) وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ أي : ظن بنو إسرائيل أنهم لا يصيبهم من اللّه عذاب بقتل الأنبياء وتكذيب الرسل فَعَمُوا وَصَمُّوا عطف على ( حسبوا ) ، و ( الفاء ) للدلالة على ترتيب ما بعدها على ما قبلها ؛ أي : آمنوا بأس اللّه تعالى ، فتمادوا في فنون الغيّ والفساد ، وعموا عن الدين ، بعد ما هداهم الرسل إلى معالمه الظاهرة ، وصمّوا عن استماع الحق الذي ألقوه عليهم ، ولذلك فعلوا ما فعلوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أي : مما كانوا فيه . قال العلامة أبو السعود : لم يسند التوبة إليهم كسائر أحوالهم من الحسبان والعمى والصمم ، تجافيا عن التصريح بنسبة الخير إليهم . وإنما أشير إليها في ضمن بيان توبته تعالى عليهم ، تمهيدا لبيان نقضهم إياهم بقوله تعالى : ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كرة أخرى كَثِيرٌ مِنْهُمْ بدل من الضمير في الفعلين أو خبر محذوف ، أي : أولئك كثير منهم وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ أي : بما عملوا ، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية استحضارا لصورتها الفظيعة ورعاية للفواصل . والجملة تذييل أشير به إلى بطلان حسبانهم المذكور . ووقوع العذاب من حيث لم يحتسبوا ، إشارة إجمالية ، اكتفي بها تعويلا على ما فصل نوع تفصيل في سورة ( بني إسرائيل ) [ الإسراء ] . أفاده أبو السعود . وهو مأخوذ من كلام القفال ، كما سيأتي : تنبيه : في هذه الآية إشارة إلى ما اكتنف بني إسرائيل من الفتنة وعذاب اللّه الذي حاق